صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك

  رأي شخصي في حال الوطن

بقلم الأب نادر ميشيل اليسوعي

 نعيش منذ يوم 25 يناير 2011 أحداث عصيبة تتوالى بسرعة كبيرة، وتنهال علينا أمواج الخطابات والإعلانات من كلّ جهة، بعضها صادق في تعبيره عن تطلعاتنا التي طالما تمنيناها، وبعضها مشوش بالعنف وروح الغضب والكراهية، ونشعر بأنّ كلّ صوت يأتينا يحمل في طياته الصالح وغير الصالح، وبأنّ هناك قوة سياسيّة من الداخل والخارج تستثمر الزخم والروح الوطنيّة السائدة من أجل غايات نفعيّة وانتهازيّة، وتؤثر على الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعيّ بوجوه مختلفة، محاولة جذب الجمهور إلى جانب رؤيتها وتحليلها للموقف.

في هذه الظروف، شعرت بأنّه من المهم توضيح بعض النقاط وعرضها عليكم راجيًا أن تنير لنا جميعًا الطريق، وتساعدنا على اتخاذ مواقف بناءة لبلدنا وشعبنا.

 

 

1- مشروعيّة الرغبة في التغيير

من المؤكد أن جماهير عريضة من شعبنا لا تجد التعليم والخدمات الصحيّة المناسبة، وتحيا في ظروف صعبة للغاية، وحُرمت من الانتفاع العادل بخيرات هذا البلد وموارده، فغنى البلد يزداد ولا يرتفع مستوى الفقراء. ويشعر الكثيرون أن الهدف القوميّ الأوّل انحصر في استمرار الأسرة الرئاسيّة في الحكم لسنين طويلة، وتحولت كافة أجهزة الحكم إلى خدمة هذا الهدف. وقد نتج عن هذا ثلاثة أمور هامة، الأوّل هو هيمنة جهاز أمن الدولة على مقدرات البلد بدون أيّ سلطة للقانون علي قراراته وتدخلاته ؛ والثاني هو تنامي التيار الإسلام السياسيّ واختراقه أجهزة الدولة من شرطة وجيش وسلطة قضائيّة ووسائل إعلام وإدارات ومناهج تعليميّة، إذ تنازلت الدولة عن الدفاع عن حقوق المواطنة والمساواة في سبيل ضمان استمرارها من خلال تواطئها مع التيار الإسلاميّ ؛ والثالث هو انتشار الفساد في كافة المؤسسات وعلى كل المستويّات، ووصوله إلى أجهزة الأمن والمحليّات ودواوين الحكومة ووسائل الإعلام، بل وصل إلى بعض رجال القضاء، فالمهم للنظام بقاؤه بأيّ ثمن والتواطؤ مع الفاسدين لإنجاح أجندته الخاصة. وبالطبع وقع الظلم على الجميع، ولكن المسيحيين هم الذين أضيروا بالأكثر من هيمنة أمن الدولة على الدولة وازدياد الحركة الإسلامية وإفساد المجتمع، ولعل حادثة الإسكندرية يوم 31 ديسمبر 2010 تمثل الظلم الصارخ الواقع على المسيحيين من نظام الدولة الحاليّ.

التغيير إذًا مطلب ضروري وأساسيّ، لتصبح مصر دولة مدنيّة ديمقراطيّة لا تسيطر عليها البلطجة والديماجوجية والانتهازيّة، لتصبح مصر دولة قانون وليس أمن دولة، لتصبح مصر دولة لكل المصريين وليس للمسلمين أولاً وإن أمكن للمسيحيين كذلك. ما حدث من انقسام داخل النظام يوم 27 يناير 2011 وانسحاب الشرطة من البلد وفتحها السجون وإطلاق الحراميّة والبلطجيّة للترويع والسلب والنهب ليس جريمة شخص بعينه بل خيانة عظمى من النظام بأكملّه. وإذا أردنا إصلاح البلد، فنأخذ بكلّ جدية النقاط الثلاثة: ضمان سيادة القانون على أجهزة الأمن المختلفة ومنها أمن الدولة والمخابرات، تنظيم واضح لعلاقة الدين بالدولة بدءًا بالدستور والقوانين وفي التعليم ووسائل الإعلام، ومواجهة الفساد من أعلى الهرم حتى قاعدته، وتوضيح آليات المراقبة والتقييم والمحاسبة لكلّ مؤسسات الدولة بدون استثناء. وبالطبع يجب تحديد مدة رئاسة الدولة وأن لا تتجاوز مدتين كسائر الدول في العالم، وتوضيح شروط الترشيح وآلياتها لتسمح للمواطنين بالترشح.

 2- نعم للحزم والصدق والصراحة، لا للعنف

تتطلب المرحلة التي نمر بها وضوح رؤية للأهداف التي نسعى إليها، ولنعلم أنّ أيدي كلّ الجماعات السياسيّة ملطخة، بدرجات متفاوتة، بالديماجوجيّة والبحث عن أهداف شخصية انتهازيّة، وأنّ الكلّ شارك في الفساد بوجه أو آخر واستخدمه في مرحلة ما لتحقيق غاياته، وأنّه لا يوجد فريق أبيض وآخر أسود، فالكلّ رماديّ اللون، من الفاتح إلى الغامق جدًّا، وإن كان لا يدرك هذا، فاليوم وسائل الإعلام ومن وراءها قوى سياسيّة ودينيّة تستغل أنبل المشاعر وأروع الأهداف لتحقق أجنداتها الخاصة.

فنقول نعم للحزم والصدق والصراحة في التعبير عن الظلم الواقع والرغبة في التغيير المشروع، ولكنّنا ننتبه إلى عدم الجرّ وراء العنف، لأنّ العنف قد يصلح أمورًا بوجه مرحليّ ولكنّه لا يبني مجتمعًا عادلاّ وشريفًا، ويفرز العنف ظلمًا يولد عنفًا آخر. الكراهيّة لا تُعد مجتمعًا آمنًا والانتقام لا يمهد لمجتمع يعرف الاحترام المتبادل وثقافة الحوار وقبول الآخر. وعلينا اليوم أن ندافع بكلّ قوانا عن الحقوق المشروعة لشعبنا وأن ندين العنف اللفظيّ والسلوكيّ والمعنويّ بكافة وجوهه.

ويعني الحزم القدرة على الدخول في حوار مع آخرين وعدم اتخاذ مواقف حادة أو جامدة، لأن إن كان موقفنا يقوده البحث عن العدالة والمساواة والكرامة، فنحن لا نخاف أن نعلن عن سرّ الرجاء الذي فينا وأن ندافع عن حقوق الآخرين لا عن مصالحنا فقط.

 3- الكرامة الإنسانيّة والخير العام

إن طلب التغيير مشروع، وليكن بحثًا لا عن استبدال وجوه بأخرى، ولا عن هدم رؤوس ورفع غيرها، بل للدفاع عن كرامة كلّ المصريين، وبالأخص الفقراء والمحرومين والذين يسكنون ضواحي مدننا الكبرى والريف، ولإدراج احترام المساواة وحقوق كلّ المصريين في الدستور والقوانين، وتوضيح آليات المراقبة والمحاسبة لكافة مؤسسات الدولة بكلّ شفافيّة وموضوعية.

إن الخير أو الصالح العام قيمة فقدناها لمدد طويلة، واختفت من خطاباتنا كلّنا، وليس الحكومة فقط. وإذا كان الشعب المصري يعرف صحوة اليوم، فلا بد من استثمار الزخم الموجود لإيقاظ ضمير جديد يعي بواجب البناء المشترك وأن يحترم الأفراد والجماعات الخير العام في قراراتهم واختياراتهم. هذا طريق طويل ولا يخلو من الصعوبات، ولكن يجب أن نبدأه كي يعلم نواب الشعب المقبلون ورجال السياسة أنّ واجبهم الأول هو الدفاع عن الخير العام وتعضيده، وتسنين القوانين التي تحميه وتدعمه. يجب علينا أن نعلّمه لأطفالنا وأولادنا في المدارس والجامعات، فمصر لن تنهض بمجرد تغيير شخص مسئول بآخر، بل بتغيير أنفسنا والثقافة الفرديّة الأنانيّة التي اخترقت فكرنا وسلوكياتنا.

يبحث بعضهم عن قائد للحركة الحاليّة ويستعير البعض الآخر أسماء من هنا وهناك، ولكن خير البلد يتطلب عمل الجميع ومجهود الكلّ، لأنّ المهمة الموكلة لنا في المستقبل القريب والبعيد أكبر وأكثر تشعبًا وتعقيدًا من أن يتصدى لها شخص أو جماعة بعينها، ولابد إن أردنا بناء وطن جديد أن نشارك جميعنا في بنائه بروح تسامح وقبول مشترك.

 4- ترتيب الأولويات

أمام الطلب الملح للتغيير، الحاجات كثيرة، والمهم الحوار لترتيب الأولويات. فمن منطلق الخير العام يطلب الناس اليوم ضمان أمن الأشخاص وممتلكاتهم وأموالهم، وإيجاد الآليات الحقيقيّة التي تسمح لهم بالتعبير عن رأيهم بوجه ديمقراطيّ لا يشوبه عنف أو ترهيب. ويحتاج الكثيرون لالتقاط أنفاسهم والسير في طريق بناء لذواتهم وللبلد، لإعادة تشغيل المصانع وفتح المدارس والجامعات. أحدى الأولويات الأساسيّة تكمن في أن لا تتحول شوارعنا إلى ساحات صراع بين ميليشيات تسعى للسيطرة على الناس، أو ترويعهم وإثارة الفزع في قلوبهم.

من يشعل حريقًا يكون من الصعب عليه أن يتحكم في النيران لأنّها أسرع وأقوى منه، والنار لا تحرق العدو فقط بل الابن والصديق أيضًا. من ارتفع بالعنف سيسقط بالعنف، ومن استعان بالكذب والخداع سيقع في كذبه وخداعه، أمّا من قام على الصدق والحق فيبقى ويدوم.

 

5- الخلاص من الله وليس من البشر فقط

تحدثت في هذه الورقة عن الصدق والصراحة، عن الدفاع عن العدالة والكرامة، عن رفع شأن الحرية والخير العام، عن الحزم ونبذ العنف، عن الاحترام المتبادل وقبول الآخر. وجميعنا اليوم لا يعرف الطريق بوضوح المؤدي لهذه القيّم، لأنها تفوق قدرتنا وسط الأحداث والأخبار والتكتلات السياسيّة والدينيّة، فمن منا لم يثر بعنف ضد شخص أو موقف هذه الأيام، ومن منا لم يفكر في واقعه الشخصي البحت ناسيّا الخير الأكبر والأشمل، ومن منا لم يتكلم بنوع من الغضب والكراهية على فريق أو جماعة ما أو سعى لتعبئة أشخاص ضد أشخاص آخرين ؟ نعم خلاص البلد في أيدينا وثمرة تكاتفنا وعملنا معًا، ولكنّه قبل كلّ شيء نعمة تطلب بإلحاح وثقة إيمان من الله القادر أن يلمس القلوب وأن يلين المواقف وأن يرسل علينا روح حوار وبناء ومصالحة.

 

القاهرة، 4 فبراير 2011                                   الأب نادر ميشيل اليسوعيّ


The comment section is restricted to members only.
 
 
Share on facebook