صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك

فكر لوقا

بقلم شريف يعقوب 

في هذه السلسلة من الدراسات الكتابية سنحاول اكتشاف ما يعلنه لنا الروح القدس من خلال كتابات القديس لوقا. بما أن روح الرب أوحى بالكتاب المقدس، فرسالته ثابتة على مدار الكتب الستة والستين التي تكونه. إلا أن نعمة إلهنا لا تُبطل ما يُميز الأسلوب الخاص بكل كاتب من كتاب الإنجيل. إن الفكر المميز للقديس لوقا قد شكّل الكنيسة والعالم لمدة ألفي عام. فلنستمع معًا.  

الحلقة الأولى: لماذا اختارك الرب؟  

وَفِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ مِنْ سَلْطَنَةِ طِيبَارِيُوسَ قَيْصَرَ إِذْ كَانَ بِيلاَطُسُ الْبُنْطِيُّ وَالِياً عَلَى الْيَهُودِيَّةِ وَهِيرُودُسُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى الْجَلِيلِ وَفِيلُبُّسُ أَخُوهُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى إِيطُورِيَّةَ وَكُورَةِ تَرَاخُونِيتِسَ وَلِيسَانِيُوسُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى الأَبِلِيَّةِ  (لو 3: 1-2)  . فِي أَيَّامِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ حَنَّانَ وَقَيَافَا كَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ عَلَى يُوحَنَّا بْنِ زَكَرِيَّا فِي الْبَرِّيَّةِ

إن تلك الآيتين تبدوان، للوهلة الأولى، بلا أية أهمية اليوم لي ولك. فما علاقتنا بأولئك الأجانب ذوي الأسماء الغريبة والذين عاشوا في أرض بعيدة، فى قديم الزمان؟ الحقيقة هي أن "كلمة الله حية وفعّالة" (عب 4: 12). يكلمنا الله اليوم من خلال الكتب المقدسة. إن تلك الآيات تشرح لنا طرق الرب، وتكشف لنا كيف تتم اختياراته. دعونا نتعمق  في النص...

 

  1- الرجل السابع

 

في تعليقه على إنجيل لوقا، يشير وارن ويرسبي إلى أنه يوجد سبعة أسماء لسبعة رجال في الآيتين السابق ذكرهما. أربعة منهم ينتمون إلى عالم السياسة، اثنان ينتميان إلى العالم الديني وواحد فقط، يوحنا المعمدان، لا ينتمي لأي من العالمين، وهو الشخص المختار. في أعقاب أربعمائة عام من الصمت، تحدث الرب أخيرًا، والرجل الذي اختاره ليقدم رسالة التوبة الحاسمة، الصوت المختار ليعد الطريق للمسيح المُنتظر، كان رجلاًً بسيطًا، بلا أي تعليم متخصص، ولا لقب رسمي، بلا ثروة ولا مكانة اجتماعية. ربما يمكنك أنت من الناحية الشخصية العثور على نقاط تلاقي في بدايات يوحنا المتواضعة. ربما شعرت يومًا ما بالرفض من أحد مدرسيك أو من شكل ما من أشكال السلطة أو من أحد والديك. ربما عبر أحدهم عن إحباطه من نقص إنجازاتك وإمكاناتك، وربما شعرت بالألم لأنك لم تحصل على القبول الذي طالما اشتقت إليه. ربما أيضًا شعرت أنت نفسك بالإحباط من ذاتك، من خلال مقارنة نفسك باستمرار بأولئك الذين طالما اعتقدت بأنهم أذكي أو أجمل أو أكثر إنجازاً أو كمالاً منك. إذا كانت هذه هي حالتك، لتدع إله التعزية يواسيك من خلال هذه الفقرة.

 

إن الرجال الستة الأوائل المذكورين يمثلون أفضل ما يمكن أن يقدمه نظام العالم. وعلى مدار التاريخ، لم توجد مملكة عالمية أعظم من المملكة الرومانية، وتضآلت كل الأنظمة الدينية بالمقارنة بالقواعد الدقيقة والقوانين الواضحة للديانة اليهودية والتي سلمها للأمة اليهودية الله بنفسه. يمكنك أن تٌفكر أن الله سيتحدث مع البشر من خلال إمبراطور قوي أو من خلال حاكم واعد أو كاهن عالٍ مُعين ومُبجل، ولكن عندئذ، تكتشف أنك قد اخطأت، حيث أنه من خلال يوحنا خاطب الله البشر. بالطريقة نفسها، اليوم أيضًا، يبحث الله في الأرض عن قلب يخافه ويحبه. من السهل أن نستخف بموضوع اختيارالله للمؤمن، ولكن من المهم أن ندرك أهمية هذا الأمر. لقد تم اختيار يوحنا ليصبح نبيًا، ليعد الطريق للمسيح. لقد تم اختيارك كابن بالتبني للرب وكأخ للمسيح نفسه. كم هي عظيمة جدًا وغير محدودة نعمة الله العجيبة لكل البشرية!

 

  2- اختيار مناقض للثقافة السائدة

 

ولكن، كيف تم الاختيار؟ لماذا يختار الله رجلاً أو امرأةً بعينهما؟ لقد عشت فترة كافية في الشرق الأوسط وفي الولايات المتحدة لأدرك أن الاجابة على هذا السؤال يمكن أن تنقسم بحسب الثقافة. ففي الولايات المتحدة اليوم، كما كان الحال في الثقافة اليونانية الرومانية آنذاك، كان معظم الناس يعتقدون أن الشخص يتم اختياره تبعًا لنجاحاته ولإنجازاته، التى كان اليونانيون يطلقون عليها كلمة "أريتي" أو المميزات، وهي كلمة تعني في الأساس إنجاز أقصى ما تستطيع، أو أن تكون كل ما يمكنك ان تكونه. ومن الواضح أنه لم يكن هذا سبب اختيار يوحنا، إذ أنه تم اختياره قبل مولده، قبل أن يفعل أي شيء ليثبت استحقاقه (لو 1: 5-25). بالإضافة إلى ذلك، حتى بعد أن كبر، لم يكن لدى يوحنا أية إنجازات دنيوية يفتخر بها. أما إجابة الغالبية على ذلك السؤال في الشرق الأوسط المتدين اليوم، فهي تُماثل إجابة الثقافة اليهودية آنذاك، وهى أن اختيار الشخص يتم بناء على قربه من الله، نظرًا لإكماله الفرائض الدينية من الصلاة والصوم ونظرًا لتقدمه في دراساته الدينية التى تضمن حصوله على بركة المؤسسة الدينية. إلا أنه لا شيء من كل ما سبق ينطبق على يوحنا. فهو لم يكن كاهنًًا، بل كان شخصًا غير تقليدي مثيراً للجدل. لقد كان من خارج المؤسسة الدينية و كان ينتقدها، ويبدو أن المؤسسة الدينية بادلته البغض (لوقا 20: 1-7).

 

على نقيض الحكمة البشرية، فإن إجابة الله هي:"أترأف على من أترأف وأرحم من أرحم" (خروج 33: 19)، وفي مكان آخر يقول: "لأنه ليس كما ينظر الإنسان. لأن الإنسان ينظر إلى العينين وأما الرب فإنه ينظر إلى القلب" (1صمو 16: 7). إن الله لم يخترك لتسمع رسالته وتذهب إليه لأنك أفضل أو أذكى أو أكثر استقامة من أي شخص يتبع ديانة أخرى أو لا يتبع أي ديانة. لقد اختارك لأنه يحبك، لا أكثر ولا أقل. ما أروعها حقيقة! إنها تحررنا من محاولتنا المستميتة للوصول إلى الكمال لنصل إلى رضا الله.   ولكن نظرًا لأننا قد حصلنا بالفعل على رضاه في يسوع، نستطيع أن نعيش بفرح ممتنين له على اختياره لنا. ربما نشعر بعدم استحقاقنا لمثل هذه النعمة. ونحن بالفعل لا نستحقها، ولكن هذه هي مشيئة الله لنا في هذه الحياة.    

 

  3- الاختيار على أسس روحية لا على أسس جسدية

 

إن دعوة الله إلى يوحنا ليتحدث عنه كانت إدانة غير مباشرة لنظام العالم. كانت كل من الثقافة الرومانية والثقافة اليهودية قويتي التأثير، إلا أنهما فشلا في الأشياء التي كانت تدعيان تفوقهما فيها. شهدت الإمبراطورية الرومانية، والتي كانت تفتخر بقوتها وإدارتها الصلبة، نهاية مأساوية لحياة القادة الذين ذُكرت أسماؤهم في تلك الآيات. الإمبراطور، طيباريوس، تحول بالتدريج إلى شخص مكتئب، مريض بعقدة الاضطهاد، وعزل نفسه عن روما ومات مكروهًا من شعبه. بيلاطس، الرجل الذي سمح لهم بصلب يسوع ليحمي مستقبله السياسي، سقط من نظر تلك السلطات التي اعتقد أنه يحاول إرضاءها وانتحر.  وهيرودس انتيباس نفاه كاليجولا إلى بلاد الغال حيث قضى نحبه هناك. أما رؤساء الكهنة، إن مجرد ذكر اثنين من رؤساء الكهنة دليل على الوضع البائس الذي كانت فيه الأمة اليهودية في ذلك الزمن. حنانيا، رئيس الكهنة الاصلي، كان قد  تم تنحيته من قبل السلطات الرومانية، وتولى منصبه زوج ابنته قيافا. إلا أنه نظرًا لأن منصب رئيس الكهنة هو منصب يتم الاحتفاظ به حتى الموت، اعتبر اليهود أن كليهما رئيس كهنة على الرغم من أن الرومان كانوا يعترفون فقط بقيافا. كم كان عمق الجرح الذي أصاب كبرياء اليهود الوطني وهم يرون رئيس كهنتهم يُنزع من المكانة التي منحه الله إياها على يد القوات المحتلة الملحدة! ولكن الأدهي، أنه بعد ذلك بعقدين، سيقوم الرومان بسحق المقاومة اليهودية وتدمير الهيكل. إن تلك القصص ترينا النهاية البائسة لمجد الإنسان ولشهوة الإنسان ولمملكة الإنسان. إن الإنجيل يدعو الجزء الخاص بطبيعتنا الإنسانية والذي يسعى لتلك الاشياء "الجسد" ، وهي كلمة يونانية مختلفة عن الكلمة الأخرى المستخدمة لتصف جسم الإنسان. إن الجسد يريد المنصب، ويريد الثروة، الجسد يريد الممتلكات، والجسد يريد أكثر من كل ما لدى الجيران. ولكن روح الله يقف معارضًا للجسد ولكل شهواته.  

 

إن نهاية كل الإنجازات الجسدية هو الفساد والسقوط والموت، إلا أن الحياة في الروح تقودنا إلى المجد الأبدي و إلى الانتصار. لابد ألا نندهش من مصير الرجال الستة المذكورين في هذا النص، لأن الجسد يزداد ضعفًا مع مرور الوقت، و نهايته عادة ما تكون سقوطًا مدويًا. إن القبر هو موضع الإحباط المطلق لجميع الإنجازات البشرية. ولكن من جهة أخرى فإن الموت لا يدمر الروح، بل يحررها من سجنها المؤقت. إن مبدأ الروح هى الحياة و مبدأ الجسد هو الموت. يختار العالم أبطاله تبعًا للجسد، فالمقارنات والحالة الاجتماعية والثروة هي الأدوات الخاصة بنظام الجسد. لكن الله يختار أبناءه تبعًا للروح، والنعمة هي أداته في ذلك. لذلك فنحن، المختارون تبعًا لحكمة الله، لابد ألا نخضع لأساليب العالم في الاختيار، ولابد أيضًا ألا نهتم بموقعنا في أعين العالم. عندما تسلم حياتك ليسوع، فإنك تقبل روح الله معطي الحياة ليسكن بداخلك، وهي عطية أعظم من أن تصفها كلمات بشرية، و لن يمكن لذهن العالم الجسدي استيعابها. تقول حكمة الله: "وَالْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ، وَأَمَّا الَّذِي يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ فَيَثْبُتُ إِلَى الأَبَد (1يو 2: 17)."

 

4- الاختيار أبدي وثابت

 

أعلنت النبوات مجيء يوحنا قبل ميلاده بزمن بعيد. فقد تنبأ عنه أشعيا النبي قبله بسبعمائة عام على الأقل (اشعياء 40: 3-5). ما أعظم التعزية فى هذه الحقيقة! مرات عديدة في علاقتنا مع الله نتعسر بسبب مشاعر عدم الأمان. كثيرًا ما نكون ضحايا ذكريات خطايانا وأخطائنا. أحيانًا نتساءل كيف يمكن للإله العادل أن يتسامح عن الأذي والألم الذي سببناه لآخرين، والأوقات التي لم نطع فيها وصاياه الكاملة، أو المسافات التي سرناها بعيدًا عنه. الله يعطينا إجابة من خلال اختياره ليوحنا. لقد اختاره قبل أن يتنبأ أشعيا بمجيئه، فقد اختار الله يوحنا في الماضي الأزلي، عندما كان العالم المادي مجرد فكرة في ذهن الخالق. على المنوال نفسه، وقبل أن تتجسد الماديات، اختارك الله، ولا يمكن لكل الأحداث السيئة في حياتك، ولا لضعفك وأخطائك أن تُغير من قراره هذا. كتب بولس إلى أهل أفسس قائلاً: كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ (اف 1: 4).

 

إن هذا شيء رائع وعجيب يستحق التكرار. إن الله، لأنه خارج إطار الزمن، عرف قبل بداية الزمن، بأنك ستولد خلال بضعة ملايين من الأعوام. هو علم أنك ستعرف يسوع وستثق فيه، وأنه على الرغم من كل شكوكك وفشلك، ستبحث عن الله وتحبه. علم الرب كل هذا قبل أن يحدث وقرر أن عمله الرائع فى الخليقة، وأن كل حزنه بسبب خطايا البشر، وموت مسيحه لخلاصك، وأن سكبه للروح القدس ليعزيك ويرشدك، قرر أن كل هذا كان ثمناً يستحق الدفع إذا كان يعني في المقابل الحصول على حبك!

إن الأمر شخصي جدًا بالفعل! إنها تلك النعمة غير العادية! يوضحها لنا يسوع قائلاً: "أبِي الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَم هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُلِّ وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي  .  " (يو 10: 29). إذا كان الله يضمن خلاصك، ضامنًا أمنك بين يديه القديرتين، من يمكنه إذا أن يأخذك منه؟ "مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضَيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟" (رو 8: 35). إن الإجابة هي النفي القاطع. لا شيء يمكنه أن يبعد من خصصه الله للحياة الأبدية. 

 

ربما يقول البعض أن كل هذا ينطبق على يوحنا المعمدان لا علينا. ففي نهاية الأمر ماذا لدينا نحن لنشبه هذا النبي العظيم؟ ألسنا مجرد بشر عاديين؟ أليست مبالغة، وربما أيضًا نوع من الكبرياء، أن نفكر في أنفسنا بأننا على مستوى يوحنا المعمدان؟ إن الإجابة على ذلك السؤال أعطاها لنا لوقا أيضًا في مكان آخر من إنجيله: "لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ لَيْسَ نَبِيٌّ أَعْظَمَ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ وَلَكِنَّ الأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ أَعْظَمُ مِنْه" (لو 7:28).

 

ماذا كان يسوع يقصد بتلك الكلمات؟ كيف يمكن أن يكون أصغر واحد في ملكوت الله أعظم من أعظم الأنبياء؟ يجيب ويرسبى بأنه أعظم بسبب وضعه فى التدبير الإلهى لا بسبب خصاله ولا خدمته. بكلمات أخرى، لسنا بالتأكيد أكثر تقوى من يوحنا المعمدان، ولكن بما أننا أعضاء في عهد الله الجديد من خلال المسيح، فنحن في وضع قبول وقرب من الآب لم يمكن لأي من أنبياء العهد القديم ولا حتى تخيله. كان المعمدان آخر أنبياء العهد القديم، الذي يعلن قدوم ملك الملوك. أما بالنسبة إلينا – أتباع المسيح – فقد حل الروح القدس في قلوبنا وجعل منا أبناء لله بالإيمان. لذلك فنحن نفرح لأننا نعرف عظمة الوعود التي منحها لنا أبانا، المجد له من الأزل  وإلى الأبد آمين. 

 


The comment section is restricted to members only.
 
 
Share on facebook