الرياضات الروحية
صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك

مراجعة حياة بيئية

على امتداد ساحل "الأريكون" في "محمية لنوشكا" الطبيعية في الولايات المتحدة، نجد أشجار التنوب الصنوبرية التي تبلغ من العمر 500 سنة. أتخيل أن هذه الأشجار كانت موجودة عندما كان القديس إغناطيوس ما يزال صبياً صغيراً، وأشعر أنني متصل به من خلال هذه العجائب الشاهقة الارتفاع. إن الجلوس تحت هذه المخلوقات الشاهقة، هو بالنسبة لي مكاني المفضل للصلاة. إذ أنظر في اتجاه المحيط الهادي، من هذه المحمية، أستطيع بسهولة أن أتبع نصيحة القديس أغناطيوس وهي أن أجد الله في كل شيء وخاصة في الخليقة.

 
الرياضات الروحية - مقدمة صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك

134cلماذا كل هذا الإلحاح على الرياضة الروحية؟ أو ليست جماعات العلمانيين كـ"رفاق الكرمة" جماعات حياة للرسالة والنشاط؟ ألا يناقض هذا الاتجاه فكرة الرياضة التي هي اختلاء وثبات وركود بل وقود؟ أو ليست جماعات العلمانيين للمشاركة والنقاش، أما الرياضة فأساسها الاعتزال والانفراد والصمت (حتى وقت الأكل)، يعني عكس ما نسعى إليه!

ليست الرياضة الإغناطية على مثال ذلك الراهب المشهور الذي قضى أكثر من سنة يتأمل في تلك الكلمات المعدودة "الكلام من فضة والصمت من ذهب"، ويقتصر أساسًا منهج حياته على الاستمرار في هذه الأعمال الروحية ولا يخرج من الدير إلى الرسالة المباشرة إلا في حالات الضرورة. وفي هذا يختلف تمامًا عن روحانية العلمانيين.
وليست رياضتنا الروحية أيضًا على مثال ما عمله إيليا النبي، عندما تعب من مقاومة الملكة إيزابل، فأراد أن يرتاح للأبد فذهب إلى البرية طالبًا من الله أن يريحه من الحياة فيموت. إلا أن الله قواه، وأشعره بوجوده على شكل نسيم لطيف، فشجعه، وأعاده إلى الرسالة (سفر الملوك الثاني 19/1 – 15). ويدل هذا الموقف على شيء من هدف الرياضة، ألا وهو مقابلة الرب من أجل التجديد وتحسين القيام بالرسالة، ولكننا لا يمكن أن نتجاهل أن إيليا في بدء الأمر كان هاربًا من المسئولية ويائسًا. وعلى كل حال ليست الرياضة هدفًا في ذاتها، بل هي هادفة الحياة، وهادفة التجديد الروحي، في سبيل البحث عن إرادة الله وعن دعوتنا.

وفي الصفحة المخصصة عن الرياضات الروحية في هذا الموقع، نبدأ بمراجعة وجيزة لظروف تكوين فكرة الرياضة عند إغناطيوس، ثم بنظرة في بعض توجيهاته وتنبيهاته في بدء الرياضة، وأخيرًا بذكر أهم أجزاء الرياضة حتى نكتشف من خلال ترتيبها وتنسيقها هدفها الحقيقي، فأهميتها لحياة العلمانيين. يعقب هذا الجزء تقديمًا للنعم التي يدعونا إغناطيوس لطلبها من الله، وهذه النعم هي المفتاح لفهم ديناميكية الرياضة الإغناطية. وننهي محورنا بدراسة للوسائل المستخدمة في الرياضة.

 
الوسائل والأساليب في الرياضة صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك

012aلندرس الآن الوسائل الرئيسية المستخدمة في الرياضة في سبيل الوصول إلى هذه الغاية.
1- الصلاة الدائمة:
الرياضة كلها مكرسة للصلاة، نتعلم فيها التركيز والانتباه الدائم. والمعروف أننا كثيرًا ما نفصل بين أوقات الصلاة وأوقات النشاط في العمل، والترفيه أو الاستجابة لاحتياجات الطبيعة مثل الأكل أو النوم وغيرهما.
ولا شك أن لكل شيء وقته (جا 3) ولا يزال إغناطيوس ذاته يحدد مواعيد دقيقة ومدة معينة لأوقات مخصصة للصلاة. إلا أنه يريد في الرياضة أن تكون جميع الأوقات مسخرة لخدمة نجاح المشروع الروحي المقصود.
هذا ما نقصده أولاً من الاختلاء بعيدًا عن مشاغلنا العادية فنقرأ في التنبيه 21: "ينجم عن هذه العزلة فوائد عديدة منها ثلاث أهم من غيرها:
أولها أن ابتعاد هذا الإنسان عن الأصدقاء والمعارف مع تركه أشغالاً كثيرة ليست موجهة إلى مجد الله، ليخدم ربه ويمجده يستحق أجرًا ليس بيسير لدن العزة الإلهية.


وثانيهما أنه بانفصاله هذا لا يبقى فكره متشبعًا إلى أمور عديدة بل يصبح كل اهتمامه منصرفًا إلى أمر واحد وهو أن يخدم خالقه وينفع نفسه، فيستخدم قواه الطبيعية بكامل حريته ليسعى وراء ما قدر طال تشوقع إليه.
وثالثهما أنه كلما كانت النفس في الوحدة معتزلة عن الخلائق أصبحت أجدر بالتقرب من ربها وخالقها والاتصال به. وكلما ازدادت اتصالاً به ازدادت أهلية لنيل النعم والمواهب من وجوده الإلهي الفائق".

 
هدف الرياضة الروحية صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك

169aالرياضة تدريب الإنسان على تمارين تحرره من كل ما يعوقه في مسيرته، ويمنعه عن التقدم الروحي، فتساعده على اكتشاف إرادة الله، لينظم حياته حسب هذه الإرادة الإلهية. إذ أننا نتصرف غالبًا في حياتنا اليومية مدفوعين بتأثير أهوائنا غير الخاضعة للعقل ولا للضمير المستنير بالإيمان. نحتاج إذًا إلى التحرير من هذه الانفعالات غير العاقلة والمنحرفة حتى نكتشف الصواب: ألا وهو ما يراه الله وما يريده.
ويسهل علينا ملاحظة أن بعض هذه الأهواء المنحرفة ينتج من طابعنا الشخصي وأحاسيسنا وعواطفنا، والبعض الآخر هو ثمرة تأثير الجو المحيط بنا، وبنوع خاص تأثير التيارات الفكرية والمتقلبة في بيئتنا وفي جيلنا، كما يصعب على الطالب أن يستمر نزيهًا في جو امتحانات يسودها الغش أو على الموظف أن يبقى صادقًا وخلاقًا ومجتهدًا وسط مجتمع التملق والنفاق والرشوة.
وأما "الأهواء المنحرفة" الشخصية فربما نتجت من خطيئة تعودنا عليها، أو من استسلامنا المستمر للغضب أو للغيرة أو الكبرياء أو غيرها من المشاعر السلبية، مما يجعلنا مقيدين حتى لا نعرف التمييز بين الخير والشر.
حتى نتحرر من هذه القيود لنختار الصواب ونكتشف إرادة الله، لابد من الاختلاء مع الذات ومع الله، كي نعطي الفرصة لذواتنا كي نعود إلى الإحساس الدقيق بإلهامات الله فينا، فننقاد بروحه لإدارة حياتنا حسب إرادته.
إذًا هدف الرياضة تحرير ثم استعداد ثم اكتشاف إرادة الله حتى الوصول إلى حياة الاتحاد والشركة مع الله ومع الآخرين ومع ذواتنا مما يؤهلنا إلى حياة الرسالة.

 

 
النعم التي نطلبها في بدء كل تأمل صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك

129dنتذكر أن القديس إغناطيوس في مقدمات كل تأمل يجعلنا نتجه إلى الله لنطلب منه النعمة التي نريدها. لهذا الطلب هدفان: الأول أن ننال هذه النعمة من الله لأننا بدونه لا نستطيع أن نفعل شيئًا، والهدف الثاني، وهو ليس أقل أهمية، هو أن نركز مساعينا خلال التأمل على نقطة معينة محددة، ونضع نصب عيوننا الغاية التي نسعى إليها في التأمل لئلا تشرد أفكارنا وتنحرف إلى مواضيع أخرى. لذلك يهمنا دراسة هذه النعم المختلفة لأنها تعبر عن مواقف روحية متسلسلة ضرورية للنمو والتقدم مع المسيح.


1- عند نظرية المبدأ والأساس: "الحياد الإيجابي"
ليس لهذه النظرية مقدمة تحدد النعمة المطلوبة لأنها هي مجرد استنتاج منطقي وواقعي لمبادئ الإيمان. إنما من الواضح في هذا النص أنه يرسم لنا شرطًا لابد منه للتقدم إلى الأمام في الرياضة. "الزهد" أو "الحياد الإيجابي" أو "الحرية تجاه المخلوقات". موقف روحي أساسي واستعداد جوهري. فعلى كل من يريد أن يوجه حياته حسب إرادة الله وحده أن يطلب من الله أن يجعله في هذه الحالة من بدء الرياضة.

 


 
Share on facebook