طباعة

 

 

الفرح الذي لنا

 

بقلم أماني فوزي

 

 مرة أخرى أجد نفسي لا أستطيع أن أبتعد عن التفكير في الفرح الذي لنا وأسباب الفرح والسلام الكثيرة التي منحها الله لنا.

في المقال السابق (عن الفرح أتحدث) تحدثنا عن عطية الجسد الواحد التى نختبرها في حياة الشركة مع إخوتنا، كما تحدثنا عن القيامة اليومية والغرض من الحياة.

وفي هذه المرة تشغلنى كثيرًا حقيقتان (بركتان) عظيمتان تسببان لي أنا شخصيًا سعادة (وأحيانًا دهشة وإعجاب وذهول) لمجرد التأمل فيهما.

     الغفران

 

 

منذ فترة وأثناء عودتنا معًا من المدرسة، وأثناء الحكاوي المختلفة عن المدرسة والأصحاب، قالت لي ابنتي إن إحدى صديقاتها كانت في حالة نفسية سيئة اليوم كله وكانت تبكي طوال اليوم لأنها تشاجرت مع أمها في الصباح، وكانت تشعر بالتوتر والخوف. سألتها بتعجب: خوف؟ خوف!!  ليه خوف؟

 

وجدتها تقول لي بكل جدية وتأثر أصابني أصابة مباشرة: أنت لا تعرفين بماذا نشعر عندما تغضبون منا، وعندما نشعر بأننا ارتكبنا خطأً ما، إنه كابوس، فنحن نشعر أنكم ستتوقفون عن حبنا. الأمر ليس بهذه البساطة.

أخذت أنظر إليها ووجدتني أقول: لابد أن تعرفي أن حب الأبوبن لا يتغير مهما حدث!

ولكنني تذكرت بالفعل مدى الحزن الذي كان يصيبيني شخصيًا عندما كنت أشعر بعدم رضا أبي أو أمي لأي سبب، طالت المدة أو قصرت. وعدت مرة أخرى إلى قصة الابن الضال لأجد يسوع يصف لنا استقبال الأب له في هذه الكلمات:

"فقام وجاء إلى أبيه. وإذ كان لا يزل بعيدًا رآه أبوه فتحنن وركض ووقع على عنقه وقبله. فقال له الابن يا أبي أخطأت إلى السلام ولست مستحقًا بعد أن أدعى لك أبنًا. فقال الأب لعبيده أخرجوا الحلة الأولى وألبسوه وأجعلوا خاتمًا في يده وحذاء في رجليه."

وتأملت متعجبة جدًا ومعجبة جدًا، فالأبن يمثل كل واحد فينا، وما قالته لي ابنتي بالفعل: لست مستحقًا أن أدعى لك ابنًا. ولكن الأجمل والمثير أكثر للإعجاب هو رد فعل الأب، فبينما كان الابن بعيدًا رآه أبوه فتحنن وركض.

والأب هنا قد صُدم في ابنه صدمة شديدة، ولكن الأب الذي يرمز إلى الله، أب حنون، في انتظار أن نقوم ونذهب إليه، ليجعلنا لا نتعرض لأي إحراج، بل يركض هو ويهرع نحونا.

ألا يدعونا ذلك إلى الفرح والشعور بالسلام، فأنا قد نلت نعمة الغفران، سامحني الآب وغفر لي، بل ويمنحني كل الخيرات.

أحيانًا أشعر أننا اعتدنا على هذه الكلمات لأننا سمعناها منذ الصغر، فأصبحت لا تترك أثرًا لدينا، ولا نشعر بالفعل بالقيمة الحقيقية للنعمة العظيمة التي منحها لنا الله، بل وأحيانًا نترك أنفسنا فريسة ليأس وحزن على شيء ارتكبناه، لأننا لم نعد نتذكر أنه سيجري لاستقبالنا، أنه يبحث عنا، أننا محبوبون إلى هذا الحد. وأحيانًا لا ندرك أيضًا أننا بهذه العودة لا نتمتع فقط بمتعة أن نشعر بأننا محبوبين ولكن نُفّرح أيضًا قلب الآب: هكذا أقول لكم يكون فرح قدام ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب.

 

وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنًا فيكم (رو 8:11)

هذا هو السبب الثاني.

في درس مدارس الأحد الأخير، وأنا أسأل الأولاد من هو الله بالنسبة لكم، ومتى تتذكرون الله خلال اليوم، وفي محاولة مستميتة مني لحثهم على نسيان الإجابات النموذجية وأن يقولوا فقط ما يشعرون به بالفعل، أجابوني إجابات شعرت بأنها حقيقية. قدرت كثيرًا من يقول إنني لا أتذكره أحيانًا بدلاً من محاولة التظاهر بشيء لم يختبره، لأنني أعرف أننا جميعًا نعيش مسيرة، مسيرة سنعثر على الفرح فيها إذا سرنا فيها ونحن لا نحاول إرضاء أنفسنا وإبهار من حولنا، بأن نفترض أن فينا أشياء ليست حقيقية.

أعترف أنني عشت فترة أفترض أشياء في نفسي إلى أن حدث لقاء "عن قرب" كشف لي الله بالفعل أنني لا أعيش ما أعتقده، وأنني أفترض أنني أعيش ما أعتقد أنه الصواب وأنني أعلن عن أشياء اعتقدت أنها لدي ولكن الحقيقة لم تكن كذلك في تلك الفترة. مثلاً: كنت أعتقد أنني اخترت اتباع يسوع في حياتي، وأنه لي كل شيء وأرنم له "فأفعل بي ما تشاء"، وأنني أعيش هذا بالفعل، لأجد نفسي في الحقيقة قد سرت في مسار آخر في الحياة، وأعيش منذ فترة "ما أريده أنا"، ولم تكن هذه هي المشكلة، ولكن المشكلة الحقيقية هي أنني كنت أعتقد أنني أفعل مشيئة الله في حياتي.

عندما اكتشفت هذا، اكتشفت أيضًا أنني كنت أعتقد أن الله الساكن فيّ هو من يقود حياتي، وأنني أعيش له ولأحقق مشيئته في حياتي، وكنت كثيرًا ما أتعجب، لماذا إذن لا أشعر بالفرح والسلام، ثمار الروح الساكن بداخلي ؟؟ بل لماذا أشعر بالحزن إذن والاكتئاب؟ عندئذ فقط أدركت أنني أقود حياتي بنفسي ولا أستمع إلى الله وأتوهم أو أقنع نفسي بالعكس.

كان الاكتشاف صدمة شديدة، أتذكر اليوم والمناسبة وكل شيء حتى اليوم بتفاصيله، على الرغم من ذلك  كان مثل شيء يسقط على رأس من فقد ذاكرته فتعود إليه مرة أخرى، ليتذكر من هو، وماذا كان يفعل وماذا كان يتمنى، وماذا عليه أن يفعل.

الله يريد أن يكشف لكل واحد منا ما يحدث بالفعل داخل نفوسنا، ويريد أن يكشف لنا عن ذاته. فهو يحبنا جدًا،  واختار أن يمنحنا عطية روحه، روح الله، الروح القدس ليسكن بداخلي، ليكشف لي ما بقلبي، وما بقلبه.

وأنظر إلى نفسي وأتخيل أن روح الله الذي كان يرف على وجه المياه، روح الله الذي بنى له شعب إسرائيل خيمة الاجتماع بعد أن أملى الله بدقة مواصفاتها لموسى، روح الله الذي بنى له سليمان هيكلاً عظيمًا، أرسله الله ليسكن فينا.

إن الاعتياد على الاستماع لبعض العبارات سواء في الصلاة أو في الخدمات يفقدنا أحيانًا القدرة على التأمل بل والتمتع بما لنا. الله ليس معنا فقط ، الله لا يعضدنا ويحمينا فقط، الله ليس موجوداً فقط ، بل إن الله موجود بداخلنا، الله يسكن فينا.

ولكن في ظل ضوضاء الحياة والزحام والمسئوليات تقل القدرة على الاستماع، وعندما ينقضي النهار ويحل الليل أتذكر إحدى اللحظات التي استمعت فيها إليه، في إحدى امسيات الصلاة في معسكر، وهو يقول لي بوضوح: ألا تستطيع أن تسهر معي ساعة واحدة.

روح الله بداخلنا، الله معنا في كل وقت وفي كل ساعة. لا ينتظر منا أن ندخل إلى حجراتنا ونغلقها في كل لحظة (وإن كان ذلك أيضًا ضروريًا فقد علمنا يسوع نفسه ذلك)، ولكن روح الله يهمس بداخلنا في كل وقت، أحيانًا بأسماء أشخاص نفتقدها بكلمة، بعمل نقوم به لآخر لم نكن نفكر فيه، يذكرنا بآيات نتأمل فيها  وبصلوات نصليها.  روح الله بداخلنا يبكتنا، يعزينا، يرشدنا.

روح الله يطرق برقة على قلوبنا لننظر لاحتياجات من حولنا، روح الله يوقظنا في الليل لنصلي لصديقة أو صديق لنا، روح الله يرسلنا في مهام، فهو بالفعل يتحدث إذا قررنا نحن الإصغاء، فهو لن يصرخ في اذننا، فهو يحبنا أحراراً. كثيرًا ما أشعر أنني أسمع يسوع في هذه الحالة وهو يقول: ومن له إذنان للسمع!

 كثيرًا ما يصعب علينا فهم الشيء إذا لم نختبره بالفعل. يحدث كثيرًا أن نخاف أن نمد أيدينا لنأخذ هدايا ثمينة لأننا لا نصدق أنها لنا، وخاصة لأننا في عالم لا يؤمن بالمجانية. روح الله ساكن فينا، روح الله يقودنا في حياتنا بالفعل، يقودنا لأن نفهمه ونعمل ما يريده الله منا، إذا لم يكن فينا روح الله لن تكون فينا محبة الله. إن نوع الحياة التي ليسوع والتي أرادها الله لنا لا يمكن أن نحققها نحن لأنفسنا، لذلك أرسل الله روحه ليسكن فينا.

كثيرًا ما نجلس لنصلي ونحاول أن نتأمل النص وتعلمنا أن الصلاة ليست أن أتكلم أنا ولكن أيضًا أن أستمع إلى الله. نجلس لنستمع ولنحاول إسكات أصواتنا الداخلية وأفكارنا الشخصية، لنستمع إلى روح الله بداخلنا، ولا يحدث شيء. يكون رد الفعل عادة عدم معاودة الكرة، أو المحاولة من جديد. ولكن في أحيان أخرى يهمس الله لنا بشرح، برسائل، بإجابات على أسئلة تُحيرنا. مثل هذه اللحظات هي لحظات فرح حقيقي، فرح الاستمتاع بالشركة مع الله. 

قبل أن يصعد يسوع وعد تلاميذه بأنه لن يتركهم يتامى، وقال لهم إنه سيرسل إليهم الروح القدس، روح الله الذي عندما يسكن بداخلنا يمنحنا: المحبة والفرح والسلام وطول الأناة، لطف وصلاح وإيمان، وداعة وتعفف.

لأن الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله (رو 8:14) كلما تأملت هذا الأمر لا أجد سوى الفرح يغمرني والابتسامة ترتسم على وجهي، على الرغم من ظروف الحياة الصعبة التي نعيش فيها، كل في مكانه، والتي تمر بها مصر في الفترة الحالية، إلا انني على الرغم مما يدور حولي،  لا أملك سوى أن أفرح. فأنا أفرح لأنني لا أسير وحدي في هذه الدنيا، فبداخلي يسكن روح الله، يرشدني ويعزيني ويُمسك بيدي ويعين ضعفاتي ، يصلي فيّ عندما لا تكون لديّ كلمات لأعبر بها عما أريد أن أقوله، يمنحنى السلام في وسط القلق والآلام، يغمرني بالمحبة التي تفيض كما وعد يسوع فيجري من كل منا أنهار ماء حية لتشبع الآخرين حولنا.