طباعة

رأيت الجمال

بقلم أماني فوزي

 

هناك في الماضي البعيد، على ضفاف النهر الجميل، كان جدي القديم يُبدع، كان يبحث، كان يُجيد مزج الألوان.

كره جدي القبح في كل شيء، وتحدى حتى قبح الموت في الأبدان.

كان جدي يُبدع ويغني ويعزف دون تجريم أو حرمان.

أما الآن فقد انتشر القبح في كل مكان في المبنى وفي الملبس والأدهى في الإنسان.

 

كانت   هذه هي مقدمة خدمة ممتعة استمعت إليها في يوم خميس العهد! قارن فيها   الخادم [1] بين قبح المحاكمة وكيف وسط هذا القبح ظهر جمال يسوع: أمام قبح   الظلم والخيانة والغدر، قبح زيف التقوى وزيف العدالة، قبح الحماس بلا عقل  . ظهر جمال الإنسان الآمن، الإنسان ذي الحجة والمنطق، الإنسان متوازن   المشاعر  .   وكانت هي دعوة لنا جميعًا لنقترب أكثر من هذا الشخص   الجميل، نعيش حياته نصبح على صورته الجميلة ومثاله، فنُظهر جمالاً وسط قبح   المجتمع الذي نعيش فيه  .

 

وأعاد ذلك إلى ذهني لحظات كثيرة كنا نقوم فيها في اجتماعاتنا بالتحدث عن "لماذا اخترت اتباع يسوع؟  "

 

مشاهد   كثيرة تتبادر إلى الذهن بمجرد التحدث عن هذا: يسوع المُحب الغافر على   الصليب (لو 23: 34)، يسوع الذي يبكي لألم فراق مريم ومرثا لأخيهما لعازر؟     (يو 11: 35)، أم الذي يئن مع الأصم الأعقد ويرفع الأنين الذي يعجز المسكين   عن أن يرفعه للآب؟ (7: 34)  يسوع وهو يشرح لهم أن السبت إنما جُعل لأجل   الإنسان وليس الإنسان لأجل السبت (مر 2: 27)، يسوع وهو يقبل الأطفال (مت 8:16)، يسوع وهو يساعد حماة بطرس على النهوض (مر 1: 31)، ويسوع وهو يلمس الأبرص (مت 8:3)! تجلى جمال يسوع في كل لحظة في الأناجيل الأربعة. ومرة أخرى في لحظة المحاكمة المظلمة تجلى فيها جماله كإنسان آمن، وجمال دقة كلماته وقوة حجته، وجمال محبته اللا نهائية.

 

هل يا ترى استطاع من يتبعون يسوع أن يُظهروا جماله هذا بحياتهم لمن حولهم؟

 

كان يصدمني أحيانًا كثيرة العداء الذي يكنه بعض منهم للآخرين، والخوف الذي يشعر به البعض الآخر على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم إلى حد تمني فناء الآخر مصدر التهديد. وكان ذلك يتسبب لي في الكثير من الحزن بالفعل.

 

إلا أنني، على الرغم من هذا، عدت من مصر، وأقول الصدق، بقلب يملؤه الفرح، قلب رأى الجمال في مشاهد عديدة واستمتع به. جمال بعيد عن أي مظهر، جمال يشع من الداخل إلى الخارج ليُظهر شيئًا فريدًا.

 

في مصر رأيت من تتحدث كعادتها بكل بساطة، تخبرني عن اكتشافها لمنظمة تعتني بأطفال الشوارع والأطفال المعرضين للخطر، تطلعني بفرح طفولي على المنتجات، وننتقل للتحدث عن البلد والأوضاع. تنظر لي بواقعية شديدة وتقول: قبل أن أتحدث عن رفض الآخر لي، يجب عليّ أن أقبله أولاً. أنظر إليها وأرى جمال "المُحب"، الذي قبل الجميع وأحبهم ولم يقسمهم إلى اتجاهات أو معتقدات، بل أحب الجميع بلا أي استثناء.

 

وشهدت رغبة بسيطة فردية تحولت فجأة إلى رغبة آخرين، بل خرجت من يد من فكر فيها وتحولت إلى عمل جماعي "أكثر جدًا مما نطلب أو نفتكر". بدأ الجميع يتحركون لتحقيق هذه الرغبة التي تحولت لرغبة شخصية لدى كل واحد منهم: أعد وأعطى وقدم كل شخص ما استطاع "بحب" كان يسود على كل حركة في المكان. رأيت "حب" يسوع في كل تصرف خال من الإدعاء تميزه النوايا الحقيقية للمساعدة، والمشاركة. هناك رأيت جمال من أعطى "بفرح"، ومن أعطى "من احتياجه".

 

رأيت أكثر من شخص يعمل ويتحدث عن عمله في المناطق الفقيرة، المناطق المحتاجة، يتحدثون عن الاحتياجات حولنا، سمعت ما يفعله الكثيرون للمساعدة. كان وجه من يتحدث في كل مرة يشع جمالاً، فيهم جميعًا رأيت جمال من "يجول يصنع خيرًا" يتجسد أمامي.

 

رأيت من يرفضون الخضوع للخوف، من يعلمون أن أمانهم ليس في مكان معين، حيث أن مصيرهم في يد "ملك الدهور"، من يعلمون أن مكانهم في هذا البلد وأنهم سعداء بوجودهم، على الرغم من شكوى الكثيرين حولهم، إلا أنهم اختاروا الاستمرار، والاستمرار بفرح، بل رأيت من عاد من بلاد "أكثر أمانًا" في نظر الكثيرين، لأنهم يعلمون أن لهم هنا مهمة محددة.

 

عدت إلى منزلي في البلاد البعيدة الباردة وقلبي قد احتوى على كل ما يبعث فيه على الدفء والفرح.

 

عدت وأنا أفكر:

 

لو لم يمر بالحياة من يُقدم لنا معنى الحب والبذل والعطاء،

لو لم تصل "الكلمة" إلى البشرية ورسالة "المحبة الإلهية"،

لو لم يسكن روحه القدس أشخاصًا يحملون تلك الرسالة إلى آخرين،

هل كان سيظهر هذا النوع من الجمال وسط كل هذا القبح؟

كيف، يا ترى، كان سيكون وجه الأرض؟

 

أغمض عيني ويمتلئ قلبي بالشكر.

 

[1]  الخدمة بعنوان "دعوة للجمال"، الخادم: الدكتور ماهر صموئيل بتاريخ 12.4.2012.