طباعة

وإذ كنّ خائفات ومنكسات وجوههنّا إلى الأرض، قالا لهنّ: لماذا تطلبن الحي بين الأموات

بقلم أماني فوزي

في مصر

أثناء زيارتنا لمصر في أبريل، تعرضنا لموقف سخيف، ركبنا في المساء سيارة تاكسي، وعند محاولتنا التحدث معه لم يكن يجيب على أية أسئلة، وكأننا لا وجود لنا من الأساس، وكان يبدو لي وكأنه في حالة غير طبيعية. نظرت إلى ابنتي بجواري، شعرت بي وابتسمت ابتسامة تقول لي إنها تفهم ما أفكر، ولم أستطع التواصل مع زوجي الجالس في المقعد الأمامي سوى ببرطمة "هو في إيه؟؟" وساد الصمت لدقيقتين، حدث بعدهما موقف عجيب، فأثناء المرور في منطقة مزدحمة، وطبعًا نظرًا لقيادته التاكسي بطريقة متهورة، خبط أحدهم على سيارته مبتسمًا، فما كان من السائق سوى النزول الفوري وبدأت مشاجرة كلامية، تكاد تكون عنيفة، إلا أنني شعرت بأن هذه اللحظة حدثت لنا، وأننا لا بد أن نخرج من هذه السيارة، وبنظرات سريعة بيننا، اتخذنا القرار وابتعدنا، ونحن نضحك، ولا نحاول أن نفكر في أي سيناريو آخر.

 كنت عندما أتحدث، في الأسبوع الماضي، عما يشعر به الناس في مصر حاليًا من ضغط وخوف، كنت أستخدم هذا المثال على الأشياء المخيفة التي يمكن أن تحدث لشخص، ومن المؤكد أن الأحداث المخيفة والسخيفة التي تحدث حاليًا كثيرة، فلا بد أن الخوف هو ما دفع الناس لاختيار، لم يفكروا فيه سوى في عنصر واحد: الأمان والعودة إلى حياة الاستقرار.

 

اليوم وأنا أصلّي سمعت: لماذا تطلبين الحي بين الأموات!؟ 

لم أفهم كثيرًا العلاقة بين ما كنت أصلي لأجله، فقد كنت أصلي لمصر في محاولة لفهم: وماذا الآن؟

إلا أنني على الفور فوجئت بعتاب رقيق: وعندما تتذكرين هذه القصة لماذا لا تتحدثين أيضًا عن العناية، وكيف حفظتكم أنا في هذه الليلة من أي مصير سيء؟ أخذت أحاول التذكر، ربما في الليلة ذاتها ونحن نتحدث استطعت أن أرى أن وقوف السيارة في ذلك الموقف العابر، والذي انتهى بمجرد نزولنا بالفعل، وبين أن الله يسمع الصلاة بالفعل، إلا أنني اكتشفت أن في كل مرة استخدمت هذا الحدث كنت أفعل هذا بالفعل لأبرهن على أسباب الخوف.

اعتذرت، وابتسمت، وتذكرت تلك العبارة الشهيرة في أحد شرائط فريق الحياة الأفضل: ما أكثر البركات التي نشعر بها ونشكر عليها، ولكن تلك التي لا نشعر بها ولا نشكر عليها أكثر وأكثر.

تذكرت الفزع الذي أصاب الجميع منذ الثامن والعشرين من يناير بعد الثورة، وأخذت أتذكر أعمال العناية التي أحاطت بالكثيرين ممن أعرفهم، وحكايات كثيرة سرعان ما ننساها، أو ربما عندما نتذكرها نتذكر فقط لحظة الخوف منها.

أعتذر مرة أخرى، وأستكمل الرحلة، رحلة مكاشفة، رحلة عتاب، أشعر فيها بالفعل أنني كثيرًا ما تكلمت عن الثقة وعدم الخوف، وبمجرد ما أسمع خبراً ما، عن فوضى ما، أنسى كل الوعود التي كثيرًا ما أتشدق بها وأقع أنا أيضًا فريسة للقلق.

 

العصافير

أراقب العصافير الصغيرة، وافدان جديدان بدآ في زيارات منتظمة إلى حديقتنا، وأتذكر الفلسين، وكيف أنه يتذكرهما أيضًا، وكيف أنني (أننا) أفضل من عصافير كثيرة.  

أليست خمسة عصافير تباع بفلسين.وواحد منها ليس منسيًا امام الله. بل شعور رؤوسكم ايضا جميعها محصاة.فلا تخافوا أنتم أفضل من عصافير كثيرة. (لوقا 12 : 6-7)

تتربص قطة من بين الأشجار لتهجم على العصفور الصغير، يشعر بها في اللحظة الأخيرة، في لحظة يكون قلبي قد انخلع من الرعب عليه، وتلمس يدي مقبض الباب لأخرج في محاولة للمساعدة، يهرب العصفور وتهرب القطة وأقف أنا أنظر إلى السماء وأتمنى ألا يخاف العودة مرة أخرى.

 

يسوع حي فيّ

كنا في معسكر تكوين، ربما يكون أول معسكر أذهب إليه، لا أتذكر جيدًا، ولكنني أتذكرها تقف أمامنا بخجل في محاولة لتعليمنا ترنيمة جديدة "يسوع حي فيّ"

أتذكر شعوري وقتها، ومحاولتي لاستيعاب لا مجرد تذكر الكلمات، حي فيّ أنا؟؟؟

تدور الأيام وتصبح الترنيمة والكلمات شيئًا معتادًا، نرددها في اجتماعاتنا بفرح وبفخر، نردد بقوة ما سنتخلى عنه لنتبعه ونُظهر وجوده فيه حياتنا. ونقول: يا أيها الحي الذي حي بداخلي، ما دمت حيًا سيدي فلا انكسار لي، شكرًا لك في موكب.... إلخ

"ما دمت حيًا سيدي!"

وإذا كان يسوع حيّا بداخلي، وإذا كانت حياة يسوع هي الحياة التي تحركني، تُرى هل يمكنني أن أعيش حياة مشابهة لحياته، لينظر ليّ أنا أيضًا من السماء ويقول: هذا هو ابني الحبيبّ الذي به سُررت ويفرح بي.

منحنا يسوع عطية روحه القدوس ليُفّعل فينا هذه الحياة، ليراه الناس فيّ، لنسير على الأرض ونحمل نحن بداخلنا هذه الحياة.

هل يرى الناس يسوع فيّ؟ هل يرى الناس يسوع فينا؟

لا أستطيع أن أمنع نفسي من السير خلفه، أراقبه من جديد وكأني لم أعرفه من قبل، أراقب محبته غير المشروطة وغير المحدودة للجميع. أراه وهو يزعزع الاستقرار للناس، وهو يقول لهم: طوبى للمساكين بالروح والفقراء والمضطهدون، معايير جديدة في الحياة، أسمعه وهو يقول لهم في العالم سيكون لكم ضيق (مت 5). وهو يخبرهم أن السبت خُلق للإنسان وليس الإنسان للسبت (مر 2: 27)، وهو يشعر بآلامهم، وهو يلمس الأبرص المسكين، وهو يحتضن الأطفال، وهو لا ينظر للمرأة الزانية ولكنه يقول: من منكم بلا خطيئة فليلقها بحجر (يو 8: 7). أنظر من بعيد وهو يئنّ بدلاً من الأصم الأعقد (مر 7: 34) الذي لا يقوى على رفع أنينه إلى الله، فيرفعه هو عنه، نعم يئنّ بدلاً منه، يصرخ في مكان من لا صوت له.

كان يسوع نصيرًا للحق، نصيرًا للفقراء والمساكين، كان حرًا بالفعل، فلم يكن هناك شيء يمنعه عن قول الحق، وكان يعلم أنه لا سلطان لأحد عليه إلا إذا أعطي من الله.

أتوق لهذا النوع من الحياة، حياة الحرية والمحبة، أتوق لها مع أنها بداخلي، أعطاها هو لي قبل أن ينطلق، أعطاها لكل واحد منا.

إن روح الله يسكن فينا، إن الله منحنا شرف أن نكون سفراء له، منحنا نعمة أن نتغير لتلك الصورة عينها لتكون فينا الحياة الأبدية "ونعرفه"،  وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته (يو17:3) وعندئذ نعرف "الحق" والحق "يحررنا".    .      وتعرفون الحق والحق يحرركم (يو8:32).

أعطاني أن أحب بلا شرط، أعطاني أن أتبع الحق في حياتي وفي اختياراتي.

عتاب آخر: وإذا كنت قد أعطيتك كل هذا ماذا تفعلين به؟!

أرفع عيني إلى السماء وأردد: سيدي أعبدك من كل قلبي أحبك، وأحيا لمجدك يا قدوس.

 أنت من أحييتني بالروح وطهرتني، قدستني لشخصك يا قدوس

أنا لن أقدر بعد الآن أن أخفي هذا الإعلان أنك حي فيّ يا قدوس

علمني أسمع صوتك، قدني أنت بروحك، فيراك الناس فيّ يا قدوس (ترنيمة قدوس قدوس)