طباعة

أنا هو الطريق...

بقلم أماني فوزي

في بيت الخلوة وأثناء البحث عن كنيسة فوق الجبل، وبعد فترة ضللت فيها الطريق، شعرت فيها بالتعب الشديد، واليأس، وفي اللحظة التي تخليت فيها عن الفكرة تمامًا، وجدت نفسي أمام شخص يقول لي: اتبعي المدق الصغير وسيكون كل شيء على ما يرام. في لحظة واحدة تذكرت آليس في بلاد العجائب، ويسوع وهو يقول أنا هو الطريق. وبالفعل وجدت نفسي فوق مدق ضيق، ولم يكن هناك طريق سواه يؤدي بي إلى الكنيسة الصغيرة التي كنت أحمل مفتاحها في يدي وأرغب في الوصول إليها.

وأتذكر جيدًا كم الدموع التي ذرفتها وأنا أردد أثناء سيري على المدق، متشبثة بالمفتاح القديم في يدي وأنا أردد: أنا هو الطريق، اتبعي الطريق ولن تضلي مرة أخرى، اتبعي الطريق وكل شيء سيسير على ما يرام، هذا هو الطريق الوحيد.

منذ أن عدت وأنا أقول لنفسي: ماذا كنت تريدني أن أفهم بالطريق الوحيد، وماذا أفعل يقول إنني لست أتبع الطريق الوحيد!!!

 

وفي الفترة الأخيرة وجدت نفسي أتأمل كثيرًا في "العلاقات": 

ترك لنا يسوع وصية وهي أن نحب بعضنا بعضًا كما أحبنا هو، ولكن هل نحب الآخرين كما يحبنا يسوع؟

وهل بالفعل يرى الناس فينا محبة يسوع؟؟

بدأت في الدائرة الصغيرة التي حولي وفي علاقاتي القريبة

أقول لنفسي طوال الوقت أنني أعرفه

ولكنني أضعه في قالب، أضع له حدودًا

أتصرف معها على أساس أنني أعرفها حق المعرفة وأن أفكارها واضحة أمامي

أرفض أن أنظر لتصرف ما يقوم به خارج هذا الإطار

أضع على تصرفاتها قيود، وأضع فوق كل تصرف لافتة معينة وأصر عليها

لا أريد أن أنظر له على أنه شخص جديد في كل صباح

لا أريد أن أرى أنها  تحاول وأنها تتغير وأن أحداث الأيام والعمر الذي يمر يترك آثاره على كل منا

لا أريد أن أرى أنها تتصرف من منطلق آخر لأنها في نظري شخص لن يتغير

أرفض أن أصدق أن الله يعمل في قلب كل واحد منا بطريقة مختلفة

وأرفض أن أحب بلا حدود

فأضع حدودًا لحبي

فحبي يقبل ولكن يؤطر

فحبي يقبل ولكن يوصم

فحبي يقبل ولكن يستبعد ويستقصي

فحبي للأسف محدود ولا أريد أن أعترف بهذا

ربما أعاني أنا من الجمود

أتأمل مواقف يسوع المختلفة مع بطرس تلميذه: فهو التلميذ الذي أعلن له الآب السماوي عن سر المسيح ابنه في متى 17، وهو التلميذ الذي انتهره يسوع أيضًا في الإصحاح نفسه لأنه قال له حاشاك يا رب. لا يكون لك هذا. وهو التلميذ الذي يسير على المياه ويشك ويسقط (مت 14)، وهو التلميذ الذي يرفض أن يغسل السيد قدميه (يو 13)، وكان مع يوحنا ويعقوب عندما لامهما يسوع أنهما لم يستطعوا أن يسهروا معه ساعة واحدة (مت 26)، وفي الوقت نفسه يعلم أنه سينكره (مر 14)، ويسأله في آخر إصحاح في يوحنا: أتحبني؟ ثم يرد له اعتباره أمام الجميع ويقول له ارع خرافي.

 تساءلت: ما هذا الحب؟ لم يتعامل يسوع مرة واحدة مع بطرس من منطلق أي تصرف سابق، ولم يتعامل معه من منطلق ما يعرف أنه سيفعله، لم يضعه في إطار معين ولم يتعامل معه من خلال أي تفكير مسبق أو أي حدود. بل لم يتعامل مع أي من تلاميذه من هذا المنطلق، بل ومع أي شخص قابله. فحب يسوع حب يُحرر، لا يضع أي حدود، ولا أي شرط للقبول، حب يقبل الآخر كما هو، يقبلني كما أنا.

أراجع تصرفاتي مع القريبين مني، وأجد أنني أحيانًا أحدّ منهم ومن إمكاناتهم، ومن إمكانات عمل الرب فيهم واٌصر، دون أن أدري، على ترك الماضي يؤثر بطريقة أو بأخرى في تقييمي لتصرفاتهم، على الرغم من اعترافي طوال الوقت أننا نتغير. 

يسوع لا يختزن في ذاكرته أو قلبه تصرفات سابقة ويتعامل بها مع بطرس

عندما أفكر في تعريف الحب غير المحدود

أفكر في أنه الحب الذي يبدأ "من جديد" كل صباح

حب يعني أنني أنتظر أن أستمتع بكل لحظة جديدة سيمنحها لي الله بصحبتك

يعني أنني لن اقيّم تصرفاتك على ما مضى، بل سأبدأ من جديد بقلب نقي

حب يعني أنني لن أتعامل معك على أساس أي إحباط في الماضي

نظر إليه وأحبه، فلديه في كل يوم حبًا جديدًا يمنحه إياه

نظر إليّ وأحبني وهو يعرف ما وراء الحائط وما خلف الباب (حز 8:8) 

فحبه لا يعتمد على ما لدي، بل على ما لديه هو من محبة غير محدودة

اليوم، وأثناء سيري في الطريق الضيق، في الطريق الوحيد، أعلم أن هذا الطريق هو طريق من أحب إلى المنتهي، من أحب بلا حدود

اليوم أستمع إليه يوصيني: وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضًا. كما أحببتكم أنا تحبون انتم ايضا بعضكم بعضًا    .      بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إن كان لكم حب بعضًا لبعض (يو 13: 34-35)

اليوم وأنا أختار أن أسير في هذا الطريق، أعلم أن السير في هذا الطريق لن يتم سوى بما فعله هو من قبلي

أعلم أنني لن أستطيع السير فيه "إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت" (يو 12:24)