عبّر عن الألم... اشفِ الاكتئآب

express feelings

بقلم الأب أوليفر برج – أوليفييه اليسوعي

مقدمة

تحتوي كلمة "اكتئاب" على سلسلة كبيرة من التجارب. فمجرّد انتهاء مناقشة مع صديق نهاية سيئّة قد تتسبّب في إحباط يستمرّ عدّة أيّام. وبعد حماس التحدي للانتهاء من مشروع صعب، تأتي بلادة الذهن لتلاحقنا لعدّة أشهر. إنّ أغلب الأشخاص يتعلّمون أن يتحملّوا هذه الإحباطات "العابرة" دون صعوبة كبيرة أو ألم، عالمين أن هذه الأحاسيس – وإن كانت مزعجة – فإنّها طبيعيّة.

ولكن هناك نوبات اكتئاب تبدو قاتلة. فتجد سيّدة نفسها نهب حزن مثبط يستمرّ لعدّة أسابيع إلاّ أنّها تجد صعوبة في تفسير سببه. وهناك فتيً لامع، ولكن مضطرب ومُنهك، يجد صعوبة في النوم ويفقد كلّ اهتمام بالأنشطة التي كان من قبل يشارك فيها بحماس. رويداً رويداً تبدو له حتّى الحياة بلا معنى، مع إحساس عميق بالتعب والفراغ يمكن أن يصل به التفكير إلى الانتحار. 

ونميل في بلادنا لاتّخاذ موقف أخلاقيّ من الاكتئاب: "أن أكون مكتئباً يعني عدم الثقة بالله، وهو علامة على ضعف في الشخصيّة". والعلاج الوحيد السائد هو "قُم، أيهّا الكهل، كُن رجلاً وتوقّف عن البكاء!" كثير من الأشخاص يتردّدون في البحث عن مساعدة لأنّهم يربطون بين الاكتئاب وضعف الحالة النفسيّة، وآخرون يقولون إنّها مجرّد تعب جسمانيّ ويبحثون عن علاج للأرق أو للصداع والإرهاق.

سنحاول من خلال هذا المقال أن نرى كيفيّة تفسير تجربة الاكتئاب. فنحن على اقتناع بأنّ الاكتئاب ليس حالة نفسية فقط بل هو أيضاً مرض اجتماعيّ، أكثر بكثير من كونه ألماً جسدياً أو مؤشرّاً على ضعف شخصيّ، فهذه الأحاسيس المؤلمة تبيّن لنا تغيراتٍ مهمّة في بيئتنا. فلن نتحدّث في هذا المقال سوى عن التجارب اليوميّة للاكتئاب بدلاً من الحالات المرضيّة.

وكما فعلنا في المقالات السابقة، سوف نرى كيف تكون هذه الانفعالات السلبيّة علامات إنذار وكيف يمكن أن تتحوّل إلى انفعالات مدّمرة إذا تجاهلناها.

الاكتئاب حليف

يقول لنا الفيلسوف روبرت سلومون إنّ الاكتئاب يشير لنا أن شيئاً ما لا يسير كما يجب. يحرّكنا الاكتئاب لكي يحرّرنا من حياة ثقّلتها مهام وقيم أصبحت غير مُحتملة وتبدو لنا بلا معنى. عندما يصبح جزء من حياتنا غير محتمل يعطي لنا الاكتئاب جرس الإنذار. إلاّ أنّ جرس الإنذار هذا يمكن أن يحمل لنا خيراً إن قررنا مواجهة الموقف وتفحّص ما يحتاج إلى تغيير. تروي العالمة النفسيّة الين ماله خبرات عن اكتئاب صحّيّ واكتئاب غير صحّيّ. وتؤكّد أنّ الاكتئاب يمكن أن يكون حليفاً، بما أنّه يوضح لنا أنّ هناك صراعاً يجب أن نواجهه.

فلنأخذ مثالاً على ذلك: يفرض المجتمع على المرأة سلسلة من المهام والتصرّفات التي، في وقت ما ولبعضهنّ، يمكن أن تصبح غير محتملة. وعلى جميع النساء أن تخضع لها. ولكن النساء اللاتي يجدن أنفسهنّ في صراع مع هذه المعايير الثقافيّة تكتئبن. ولكنّ هذا الاكتئاب يكون صحياً ونافعاً لأنّهقد  يدفعهنّ لاتّخاذ قرارات من منطلق قيمهن الشخصية لا قيم المجتمع فحسب.

سُميّ الاكتئاب أيضاً "إعادة التقييم الداخليّ". وإن استطعنا أن نُخضع حياتنا الشخصية للفحص، وأن نعيد تقييمها أثناء الاكتئاب، بدلاً من أن نترك أنفسنا ننسحق تحت ثقل الاكتئاب وقسوته، فهو انتصار لنموّنا ونضوجنا الإنفعاليّ. فمن المؤكّد أنّ الاكتئاب يشعرنا بالحزن والبؤس، ولكنّ أعراضه يمكن أن تكون علامات تدلّنا على طريق الشفاء والنموّ.

ومن منطلق هذه النظرة التفاؤليّة، يمكن أن يكون الاكتئاب أكثر من مجرد كارثة شخصيّة وعلامة ضعف شخصيّ. فهذا الألم يمكن أن يصبح واحدة من الوسائل الأكثر تعقيداً والأكثر جذريّة، لكي يحرّك هياكل حياتنا عندما تصبح غير مُحتملة، ونغدو عاجزين عن أن نعيشها. ولكن يجب أن ننتبه فتفكيرنا السلبيّ قد يعمل في اتجاه مناقض لسعينا إلى اكتشاف هذه القيم والهياكل التي قبلناها وفرضناها على أنفسنا والتي نجدها الآن غير محتملة ومهينة. ففي الواقع يمكن الاكتئاب أن يكون دعوة للتعبير عن ألمنا وحزننا.

يحمل لنا الاكتئاب رسالة مزدوجة

فهو يتركنا فارغين، غير قادرين ولكنه – شأنه شأن الكابوس – يضطرّنا في الوقت نفسه إلى أن نقوم بشيء ما. ويكشف لنا الاكتئاب عن ذواتنا، إذ يبين أنه يوجد بُعدّ من حياتنا مخيفٍ جزئيّاً يحتاج إلى الاهتمام. ولكنه يخفي – شأنه شأن أي حُلم – هذا الوضع بقدر ما يكشفه.

وبالتالي فعلينا أن نتساءل: لماذا أشعر بأنيّ مُتعب؟ وإذ نظن أنّ مصدر الاكتئاب لا يأتي إلاّ من ذواتنا وضعفنا وعجزنا، نحاول أن نبحث عن حلول ذاتية، فنقسو على أنفسنا دائماً بكلّ عنف أو نبحث عن العلاج في المسكرات أو المخدّرات أو أيّ شيء يمكن أن يلهينا وينسينا هذا الضيق المُحيّر. إنها حلول ذاتية لآلام ذاتية. ويصف شاعر أمريكيّ تجربته الخاصّة هكذا: "إن المعالجة الذاتيّة بالكحول تُحدث تخفيفاً عابراً للألم، ولكنها تترك فراغاً مميتاً وتذّوقاً أوّلياً للموت".

من الثورة إلى الكآبة:

ولأنّ أعراض الاكتئاب تُحيّرنا وتخزينا، فنحن نحاول تجاهلها. وعندما نتجاهلها تفوتنا فرصة مهمّة، وحينئذ قد يصبح الاكتئاب اضطراباً مُزمناً، وننتقل من الثورة إلى الكآبة:

يبيّن لنا الاكتئاب الصحيّ وجود صراع يجب أن نواجهه أو خسارة يجب أن نتحملها. وفي هذا النوع من الاكتئاب، يذهب حزننا ويجيء ويتركنا في حالة عمل. أما إذا أنكرنا هذه العلامات المؤلمة أو رفضنا أن نتعامل معها، فنحن مُعرَّضون إلى أن يصبح اكتئابنا حالةً نفسيةً عميقة الضرر. إنّ الاكتئاب غير الصحيّ يشلّ قدرتنا على العمل والحبّ. وفي هذا النوع من الاكتئاب غير الصحيّ تؤدي هذه الاضطرابات الانفعاليّة العميقة والمستمرّة إلى نتائج فسيوولوجيّة بغض النظر عن أسبابها، فالاكتئاب العميق والمستمرّ يهدد الحياة ويحتاج إلى مساعدة من متخّصصين وعلاج ملائم.

يقول لنا بعض علماء النفس إنّ جذور الاكتئاب تكمن في طريقة تفكير خاطئة. فالأشخاص سريعو التأثر بالاكتئاب يفسرّون خبراتهم بطريقة هدّامة للذات، فعندما يصلون متأخرين عن موعدهم، يلومون أنفسهم بطريقة قاسية: "أنا دائماً متأخر عن ميعادي!" أو "لن أنجح أبداً في أن أكون منضبطاً في مواعيدي!" أو"لماذا أعجز على أن أفعل أي شيء بطريقة جيّدة؟" أو "حياتي فشل مستمر!".

وينشأ الاكتئاب من هذه التفسيرات الخاطئة، خاصّة عندما تجتاح حوارنا الداخليّ. ولا يبدأ الشفاء إلا عندما نستطيع أن نكتشف هذا الحوار ونتابعه، ثم نقاوم تبعياته الضارة. ويبدو أن التركيز على تجنب التأثيرات الضارة لهذا الحوار الداخليّ يعطي نتائج جيدة مع من يضعون انفسهم في دوّامة نقد ذاتيّ في غير محلّه.

ويأتي الاكتئاب أحياناً من عدم القدرة على التكيّف، من عدم القدرة على مواجهة التغيرّات والتأثيرات الداخليّة والخارجيّة التي يقابلها كلّ واحد وكلّ واحدة منّا يوماً ما في حياته. والقلق هو ألية هامّة في سبيل البقاء. وإذ نقلق، فهذا يعني أننّا مازلنا في صراع مع مشاكلنا. ولكنّ الاكتئاب هو حالة ما بعد المعركة، حزن بعد نهاية حرب هُزمنا فيها واستسلمنا. من خصائص الاكتئاب هو عدم القدرة على التمتّع بالحياة. فالإنسان المكتئب لا يمكن أن يستمتع بوجبة غذاء بسيطة أو محادثة مع صديق عزيز. ويشعر هذا الإنسان – وقد سيطر عليه اكتئاب شديد – بأنّه حملٌ ثقيل على أصدقائه، ويتصرّف على هذا الأساس. ويشعر الإنسان المكتئب بأنّه لا يستحقّ أن يكون راضياً أو سعيداً. فلا شيء يجعله يستمتع.

لنعبرّ عن ألمنا

وإذ يربكنا هذا الاكتئاب ومع ذلك نتجاهل جذوره، نحاول أن نبتعد عن الآخرين، ونعيش ألمنا في عزلة تطمس طريق الشفاء من هذه الحالة التي تضنينا وتهدمنا.

ويعطي الكتاب المقدس أمثلة لمؤمنين – في أوقات الضيق والارتباك – يرفعون أصواتهم بالشكوى رافضين الاستسلام لحزنهم. كانوا يعبرّون بحرّية وعلانيّة عن ألمهم. ويكشف لنا سفر المراثي عن ضيقهم: "يا جميع عابري الطريق تأمّلوا وانظروا هل من ألم كألمي الذي أصابني، الذي آلمني به الربّ في يوم اضطرام غضبه" (مراثي 1/12).

ومع أن آباءنا عانوا الضيق، إلا أنهم كانوا يرفضون الاكتئاب. كانوا يعبرّون عن ألمهم. وتتناول المزامير دائماً هذا الموضوع: "قد تعبت من تنهّدي في كل ليلة أروي سريري وبدموعي أبلّل فراشي. أكل الغمّ عيني وهرمتُ بين جميع مضايقيّ" (مز 6/7 – 8).

إنّ نحيب العبرانيّين القدامى كان نوعاً من الصلاة الصاخبة وأحياناً كان مليئاً بالضغينة. وأتت شكواهم الصاخبة والمستمرّة كخطّة لجذب انتباه الله، أو كنوع من العقاب لإلههم، كانوا يطلبون تفسيراً لعذابهم. فيقول أيّوب: "أقول لله لا تؤثمنيّ، أعلمني على أيّ شيء تخاصمني" (أيّوب 10/2).

كان الأنبياء يعتقدون في نحيبهم أنّ كلمات التحدّي على الأرض، عندما تُنطق بانفعال، يمكنها أن تغيّر من أمور السموات. نحن لا نعرف كيف تسير الأمور ولكن، على أيّ حال، فالنحيب "ألمّ أصبح كلمة نعبّر بها للجماعة التي هي شفيعتنا من أجل حياة جديدة". فلكي نشفي أحزاننا، يجب أن نعبرّ عن آلامنا.

يمكن أن نضرب مثالاً لأسرة في أزمة: فالوالدان لا يتحدّثان قط، وتترك الابنة البيت، والابن غاضب ولا يتحدّث إلى أي شخص منذ شهور. وظلّت الأسرة شهوراً تظهر أمام الآخرين أنّ كل شيء على ما يرام. ولكن عند انفجار الوضع قرّرت الأسرة البحث عن مساعدة شخص لحلّ الأزمة. وبمساعدة هذا الشخص بدأوا يتحدّثون الواحد إلى الآخر. في البداية، كان الوضع متأزّماً. فكلّ الحقد القديم تفجّر وطال كلّ عضو من أعضاء الأسرة. لكن بالمساعدة الماهرة والمتفهّمة لهذا الصديق أو المرشد، تعلّموا أن يعبروا عن عداواتهم دون أن يجرح بعضهم البعض. اعترفوا بالسلوكيّات التي لا تساعدهم، وبحثوا عن سلوكيّات أخرى تسمح لهم بالتخاطب وخلق علاقات حقيقيّة فيما بينهم. ورويداً رويداً، وبالتعبير عن ألمهم وبتفجير جراحاتهم، بدأت الأسرة تشفى. فعندما نقبل مشاركة الآخرين بضيقنا، ونغيّر طريقتنا في "العيش المشترك"، يمكننا أن نشفي أنفسنا وأيضاً مجتمعنا.

خلاصة

لا يأتي هذا الشفاء من الاكتئاب سهلاً. فلكي نستطيع أن نحوّل الضيق إلى شفاء، يجب أن نكون مستعدين لاحتضان جراحاتنا. وإن طنّنا أنّ الاكتئاب هو علامة ضعف نفسيّ، فسنبحث عن إبعاد الألم أو تجاهله أو قمعه. ولكن إن أردنا احتضان جراحاتنا، فكيف يمكننا أن نقوم بذلك بطريقة فعّالة؟ وحين نلجأ إلى الشكوى دائماً ، فنادراً ما يعطي هذا نتائج إيجابيّة ومُرضية ما دمنا لا نواجه المشكلة ولا نجد أيّ تخفيف لحدّتها.

قد اختبر آباء الإيمان أنفسهم الشكوى السلبيّة. فقد كان يلعن بعضهم موسى بسبب أوجاعهم وهم في الصحراء بعد هروبهم من مصر. وعلى أبواب خيامهم كانوا يتكلّمون ضد رؤسائهم. أمّا نحيبهم فلم يكن لهدف محددّ. فقد كانوا لا يتوجهّون مباشرة لا لموسى ولا لله. كانوا يكتفون بالشكوى في ما بينهم دون مواجهة المشكلة الحقيقيّة. وهذا النوع من الأشخاص مازال موجوداً في مجتمعنا أو في مجموعاتنا.

يمكننا إذاً باحتضان جراحاتنا – شرط عدم تجاهلها أو التعبير عنها في شكوى غير مجدية – أن نشرع في مسيرة شفاء. وهذه الديناميكيّة النافعة لا تُبعد الألم بطريقة آلية أو بنوع من السحر، ولا تردّ لنا الأشخاص أو الأشياء التي فقدناها، ولكنّنا نكسر السجن الضيّق الذي يضعنا فيه الاكتئاب.

تمرين

الاكتئاب العاديّ اليوميّ هو تجربة اعتيادية اختبرها كثير منّا. ولكن انتبه عندما تقوم بهذا التدريب لأن الشعور بالحزن يمكن أن يتحول بسهولة إلى اكتئاب مستمرّ. 

ابدأ بأن تتذكّر فترة حديثة كنت تشعر فيه بأنّ اكتئاباً عادياً يملؤك، بأنك فاترّ المهمّة... مُتعب... مهزوم، اعمل قائمة ببعض الأفكار والأحاسيس التي رافقت هذا الاكتئاب.

والآن، مع مرور الوقت الذي أبعدك عن هذه التجربة، تفحّص سياق هذا الاكتئاب العاديّ. ما الشيء الذي يبدو وكأنه مصدر اضطرابك؟ هل تستطيع أن تحدّد التهديدات أو الجروح أو الخسائر التي تسببّت في هذا؟ كيف كان ردّ فعلك: أتلوم نفسك أم تلوم الآخرين؟ أتتجنّب كلّ تواصل مع الآخرين؟ أتطلب المساعدة؟ أعطِ بعض الأمثلة لمواقفك وأفعالك عندما كنت مكتئباً: ما الذي كان يساعدك؟ وما الذي كان يزيد الموقف سوءاً؟

أخيراً، هل يمكنك أن تحدّد كيف أسدى إليك الاكتئاب العاديّ خدمة أو عرفك أكثر بنفسك أو أتى بنور على حياتك؟ مرّة أخرى أعطِ أمثلة ملموسة.