تأملات إنجيلية

ضجيج العظماء وصمت الطفل

بقلم الأب نادر ميشيل اليسوعيّ


 في يوم من الأيام، منذ حوالي ألفي سنة، أمر القيصر أغسطس بإحصاء سكان امبراطوريته الممتدة من الأطلسي إلى أطراف آسيا الوسطى، وبالفعل تحركت جموع البشر من مكان سكنها إلى موطنها الأصلي، وامتلأت الطرق بالمسافرين والفنادق بالنزلاء. عظماء العالم يحركون الناس ويتحكمون في مصائرهم، يقيسون قوتهم بعدد البشرالذين يملكون عليهم، فهذا يملأهم زهوًا وغرورًا. في كلّ زمان يتحكم كبار العالم في حياة الناس ويحركونهم حسب أهوائهم ووفقًا لمصالحهم، يحدثون ضجيجًا ويثيرون المخاوف في قلوب البشر، وكأنّ الناس ألعوبة في أيديهم، مجرد أعداد خُلقوا لمجدهم الشخصيّ.


 في هذه الظروف الاجتماعيّة ...

فدمعت عينا يسوع

بقلم الأب داني يونس اليسوعيّ


قد يكون مشهد إحياء لعازر أكثر مشاهد الإنجيل كشفًا عن مشاعر يسوع. فيه يجيش صدر يسوع مرّتين: حين يرى مريم تبكي ومعزّيها يبكون معها، ثمّ حين يسمع اليهود يقولون: "أما كان بإمكان ذاك الّذي فتح عيني الأعمى أن يردّ الموت عنه؟" فيه تدمع عينا يسوع حين يسأل "أين وضعتموه؟" فيجيبون "يا ربّ هلمّ وانظر". فيه نقرأ: "وكان يسوع يحبّ مرتا واختها ولعازر" ويسمّي لعازر "صديقه". في هذا المشهد يذهب يسوع لإيقاظ صديقه مع أنّه يعرّض نفسه بذلك للموت، كما قال توما: لنذهب ونمت معه. فالأعداء يتربّصون بالمسيح وينوون قتله، ولكنّ لعازر في عزلة الموت، والصديق، يسوع، لن يتركه في هذه العزلة، بل ...

جاء المسيح

جاء المسيح إلى العالم كصَديق. كصَديق عاش، مشى وتكلم مع الرجال والنساء الذين استقبلوه ليقول لهم إنه ليس هناك معبد آخر سوى قلب الإنسان وروحه، وإن كل إنسان قادر على التواصل مع الله عندما يَقبَل الخروج من ذاته وأن يقف مكشوفًأ في عُري محدوديته، في كامل إنصاته، في يقظته واستقباله.


جاء يُشَّوش الأفكار والقِيَّم المُترَسخة، جاء يُخَيّب التوقعات والأحلام الزائفة عن القدرة والروعة والشرَف. أطاح بالمفاهيم المُسَلَّم بها عن العظمة والحرية والمحبة والأهم المفاهيم الخاصة بالمسيح.  فصل الارتباط بين العظمة من جهة والقوة والشهرة من جهة أخرى، ليَصِلها بالطيبة والتواضع، بالاحترام والاهتمام بالآخر أيًّا كان ...

أحد الشعانين

بقلم الأب داني يونس اليسوعيّ 


دخلنا إلى الكنيسة يوم أحد الشعانين حاملين سعف النخل فرحين بالملك الّذي أتى ويأتي باسم الربّ ليخلّص شعبه من الموت ومن الخطيئة، وسمعنا كيف دخل الربّ مدينته وسط الهتاف، راكبًا بتواضع على ابن أتان، ليس فيه عنف ولا كبرياء، بل محاطًا بالتسبيح، كما يقول المزمور الثامن: بأفواه الأطفال والرضّع أعددتَ لك تسبيحًا (متّى 21: 16). والآن تأتي كلمة الله لتخبرنا عن آلام الربّ وسط عنف البشر، وأفواه من سبّحوه تنطق بالسخرية وتهتف "اصلبه! اصلبه!"، وتلاميذه يهربون، وحتّى الله الّذي أتى يسوع باسمه يبدو بعيدًا: "إلهي إلهي لماذا تركتني؟". ما الّذي تقوله لنا كلمة الربّ اليوم؟ ماذا ...

لا تكُن غير مؤمن بل مؤمنًا

بقلم الأب نادر ميشيل اليسوعي


قام يسوع من بين الأموات لأنّه آمن بمحبّة أبيه أكبر وأعظم من الموت، فقد صارت كلمات الكتاب المقدّس خبزه اليوميّ، وبها تعلّق وعليها رهَن حياته ومصيره. وثِق يسوع بكلماتِ المزمور القائلة بأنّ الله لن يتركه في عالم الأموات ولن يدع قدّوسه يرى فسادًا (مز16: 10)، وأنّ الربّ يجرح ويضمّد، ثم يقيم في  اليوم الثالث (هو6: 1-2). إلا أنّ كلّ الشواهد كانت تناقض هذا الإيمان، بل وتضحده. فمِن جانب، كان الفريسيّون ورؤساء الكهنة يعدّون المؤامرة بخبث وشراسة، ويجمعون الحجّج الشرعيّة للنيل منه إذ قال عن الله إنّه أبوه (يو5: 18)، وأنّه يستطيع إعادة بناء الهيكل في ثلاثة أيّام (يو3: 20)، ...